محمد نبي بن أحمد التويسركاني
394
لئالي الأخبار
ومنها أن يكون المصلّى مبتلى من الدّنيا بهوى مطاع فانّ ذلك سبب لظلمة القلب كالصّدأ على المرآة فيمنع جلية الحقّ أن يتجلّى فيه وهو أعظم حجاب للقلب ، وبه حجب الأكثرون وكلّما كانت الشّهوات أكثر تراكما على القلب كان البعد عن اسرار اللّه أعظم ولذلك قال صلّى اللّه عليه وآله الدّنيا والآخرة ضرّتان بقدر ما يقرب من إحديهما يبعد عن الأخرى أقول قد مر في الّلؤلؤ الأول من هذا الكتاب وفي لئالى بعده بيانات وشواهد لهذا انتهى . الخامس ان يخصّص نفسه بكلّ خطاب في القرآن من امر أو نهى أو وعد أو وعيد ، ويقدّر انّه هو المقصود وكذلك أن يسمع قصص الاوّلين والأنبياء عليهم السّلام علم أن مجرّد القصّة غير مقصود ، وانّما المقصود الاعتبار فلا يعتقد أنّ كلّ خطاب خاص في القرآن ، فالمراد به الخصوص فانّ القرآن وساير الخطابات الشرعية واردة على طريقة إياك اعني واسمعى يا جاره وهي كلّها نور وهدى ورحمة للعالمين ولذلك امر تعالى الكافّة بشكر نعمه في الكتاب فقال : [ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ] وإذا قدّر انّه هو المقصود لم يتّخذ دراسة القرآن عملا بل قرائته كقرائة العبد كتاب مولاه الّذى كتبه اليه ليتدبّره ويعمل بمقتضاه قال حكيم : هذا القرآن اتانا من قبل ربّنا بعهوده نتدبرها في الصّلوات ، ونقف عليها في الخلوات ، ونعدّها في الطّاعات بالسنن المتبّعات . السادس التّأثر وهو ان يتأثّر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلافات الآيات فيكون له بحسب كلّ فهم حال ووجد يتصف به عندما يوجّه نفسه في كلّ حالة إلى الجهة الّتي فهمهما من خوف أو حزن أو رجاء أو غيره ، فيستعدّ بذلك وينفعل ويحصل له التّأثّر والخشية ومهما قويت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه فانّ التّضيق غالب على العارفين فلا يرى ذكر المغفرة والرّحمة الّا مقرونا بشروط يقصر العارف عن نيلها كقوله تعالى : [ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ] فانّه قرن المغفرة بهذه الشروط الأربعة وكذلك قوله تعالى : [ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ ]